سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

224

الأنساب

وأقبل تبّع حتى قدم المدينة مجمعا على خرابها وقطع نخيلها ، فنزل بسفح أحد واحتفر بئرا ، فهي إلى اليوم تسمّى بئر الملك ، وأرسل إلى أشراف أهل يثرب من الأوس والخزرج بأن يأتوه ، فتحصّنوا منه في آطامهم ، ومنعوا أحلافهم من اليهود ، فكانت خيوله تحاربهم بالنهار ، حتى إذا أمسوا وكان الليل دلّوا إليهم التّمر في المكاتل والخبز واللّحم والثريد ، والعلف والقتّ للخيل . فرجعوا إلى تبّع فأخبروه بذلك ، فقالوا : بعثتنا إلى قوم يحاربوننا بالنهار ويقروننا بالليل ! فقال : نعم القوم قومي وجدت ، قاتلوني نهارا وأقروني ليلا . ثم إن الأوس والخزرج أرسلت إليه فقالت : أبيت اللعن ، إنّ اليهود لم تكن لتجترئ أن تقتل ابنك ، وإنما قتلته امرأته . قال تبّع : وكيف ذلك ؟ فقالوا : دخلت أمّه بينه وبين امرأته . فقال تبّع : لعبت الحماة بالكنّة ، ولعبت الكنّة بالظّنّة « 14 » . فذهبت مثلا . وأتاه حبران « 15 » من اليهود فقالا له : أيّها الملك ، إن مثلك لا يقتل على الغضب ، ولا يقبل قول الزّور ، وشأنك أعظم من أن يصير أمرك إلى التسرّع إلى ما لا يجمل ، وإنك لا تستطيع أن تخرّب هذه القرية . قال : ولم ذلك ؟ قالا : فإنها محفوظة ، وإنها مهاجر إليها نبيّ من بني إسماعيل بن إبراهيم ، اسمه أحمد ، يخرج في آخر الزمان من هذه البنيّة ، يعني مكة . قال تبّع : ومتى ذلك ؟ قالا : من بعد زمنك بزمن وأزمان . فوقع كلام اليهوديّين في قلب تبّع ، فأعجبه ما سمع منهما وصدّقهما ، وأمسك عن حرب أهل المدينة ، وانصرف عن رأيه في إخرابها ، وقال تبّع في ذلك : ما بال عيني لا تنام كأنّها * كحلت مآقيها بسمّ الأسود

--> ( 14 ) في الأصول : أولعت ، مكان لعبت . وفي أخبار ابن شرية ص 463 تفصيل لخبر مقتل ابن تبّع جاء فيه : « ثم إن تبعا سار إلى المدينة ثائرا لابنه ، فلما قارب المدينة نزل على بئر ، فسمّيت بئر الملك ، فالتقاه مالك بن العجلان الخزرجي فقال له : أيها الملك إن اليهود قد استولوا علينا وبيننا وبينهم حرب ، فانصرنا عليهم ، فإنما نحن منك ولك . قال : وكيف أنصركم عليهم وأنتم قتلتم ولدي ، وقد جئتكم أريد قتالكم وخراب قريتكم ؟ ! فأخبرني كيف كان قتل ابني خالد ؟ قال : أفسدت أمّه بينه وبين امرأته ، ثم احتالت له فقتلته . قال تبع : ولعبت الحبّة بالكبّة ، ولعبت الكبّة بالطبّة » . ( 15 ) الحبر : رئيس الكهنة عند اليهود ، والحبر أيضا : العالم .